الأحد، 23 أبريل 2023

الحسن اللحية: لماذا يجب أن نكون بيداغوجيين؟

 

 

 

في الاشتقاق والمعنى والدلالة:

 

يعود لفظ التربية في اللغة اللاتينية إلى educatio الذي يعني action d’élever. لقد تحدث شيشرون (توفي في سنة 48ق.م) عن تربية الحيوانات élevage des animaux، كما تحدث بلين (توفي في سنة 79 ق.م) عن ثقافة تربية النباتات. وبهذا المعنى فإن المربين الأوائل كانوا يربون الحيوانات والنباتات، فهم بذلك des éleveurs.

وجاء في المعجم اللاتيني الفرنسي لروبير إستيان Robert Estienne (1539) المعنى المشار إليه سلفا للتربية مقرونا بالتغذية la nourriture. فالغذاء هو ما يقدمه الشخص الراشد للقاصر أو للصبي، ويعني أن الصبي لا يمكنه أن يتغذى بمفرده، أي لا يمكنه الاعتماد على نفسه، إنه يتربى بغيره.

سيشتق فعل التربية (ربى، يربي) من الفعل اللاتيني educare الذي يعنى غذى nourrir. كما يعني الفعل اللاتيني educare إخراج الشيء من إلى؛ أي من حالة إلى أخرى، ومن وضع إلى آخر. ويعني كذلك قاد و وجه؛ قاد الطفل نحو كذا وكذا، و وجهه وجهة كذا وكذا؛ فنقول قاد جماعة و عربة و وجه فردا، وجعل الطفل يمشي على رجليه.

يستعمل الكاتب اللاتيني فارون Varron معنيين يدلان على التربية؛ هما التغذية educare nutrix، والولادة (الانتقال من حالة إلى حالة أو المساعدة على الانتقال من حالة إلى حالة) educit obstetrix. ونخلص إلى أنه بدون تغذية سيموت الطفل لأن الطفل في حاجة إلى المساعدة والرعاية والاهتمام؛ وبذلك ستكون التربية هي الفعل الآتي من الغير، وأن حاجة الطفل إلى الغير حاجة طبيعية. فتبدو التربية بذلك استجابة لحاجيات الطفل الطبيعية.

أخذت التربية، بمرور الزمن، معنى أخلاقيا فصارت تعني تكوين الأمزجة وتربية الروح؛ بمعنى أن التربية انتقلت من تربية موجهة للجسد إلى تربية الروح أو النفس. وبتعبير آخر انتقلت التربية من الفيزيقي إلى الروحي، من الجسد إلى الروح و العقل والذهن والأهواء. فهي لن تقتصر على تغذية الجسد بل تتعداه إلى تغذية الروح والعقل والذهن. فصار الحديث عن تغذية العقل (تربية العقل) والروح (تغذية الروح وتربيتها)، وهكذا سيتم الانتقال إلى الأخلاق والمعارف (إلى الروح والعقل).

يفيد لفظ التربية في اللغة الفرنسية حسب قاموس لتري Littré (1885) جميع المعاني التي أشرنا إليها سابقا. كما انضاف إلى تعريف لتري، في فرنسا، مفهوم جديد هو التكوين؛ تكوين الكائن الإنساني تمييزا له عن الكائن الحيواني. فتربية الإنسان تمتاز بالسيرورة في التكوين، وتتحدد بتعدد الأبعاد،  أي تربية الجسم والروح والذهن والأحاسيس والجانب الجمالي والاجتماعي والعقلي...إلخ.

سنكون، حسب هذا التعريف الجديد، أمام تربيات متعددة كالتربية الجمالية والتربية الفكرية والتربية العاطفية والتربية الأخلاقية...إلخ. ولن تعود التربية مقتصرة على الفعل الميكانيكي الموجه للجسد. فالمربي حسب هذه الأدوار الجديدة هو القائد gouverneur عند جون جاك روسو، والمعلم instituteur عند كوندورسي. وهكذا سيعمل المربي الجديد على إغناء تجربة الطفل وتكوينه وجعله يتملك المعارف بنفسه.

قلنا آنفا إن البحث في الاشتقاق اللغوي للتربية سيفيدنا في استخلاص بعض التصورات ، الأولى و الأولية والتلقائية للتربية، وهو ما يبدو لنا ونحن نستحضر وظائف المربي؛ المربي الذي يغذي ويكون ويشكل ويقود ويوجه ويغني، كما أن فعل التربية يوجه إلى الطفل من طرف الغير، من طرف الراشد نحو القاصر أو الطفل.

 فالعبد في العهد الروماني يقود الطفل إلى كذا أو كذا، إلى المدرسة أو الحديقة...إلخ. كما يرد في بعض القواميس الفرنسية أن المربي يعني من يتكلف بالتربية وتكوين الطفل. وهكذا أصبح المربي مستقلا بذاته و وظيفته هي تربية الطفل كوظيفة المعلم.

فالوظيفة التي سيقوم بها المربي الجديد تحيلنا على الطريقة التي سيربى بها الطفل، طريقة في تربيته وتعليمه للطفل، أي أن المربي هو الذي يعرف كيف يربي ويعلم، وكيف يحفز على التعلم، وكيف ينشط ويتواصل ويكسب ود الطفل (كما قال دوركهايم)، ويكسبه الخبرة والمعرفة والتجربة...إلخ.

والطريقة التي ينهجها المربي أو المعلم هي فن التعليم (فن التربية)، وحسب بعضهم هي علم، وفن التعليم والتربية. هذا ما يؤكده إميل دوركهايم حينما يحدد البيداغوجيا كنظرية لممارسة التربية؛ فهي فن وطريقة، أي  هي meta  وhotos ، هي الطريق والمسار إلا أن هذا الفن وهذه الطريقة ليست اعتباطية ولا عشوائية، إنها تتحدد حسب إرادة علمية أو لنقل هناك إرادة لإضفاء الصبغة العلمية على البيداغوجيا. وقد حدث ذلك منذ القرن التاسع عشر باستلهام المناهج العلمية التجريبية.

 

نلاحظ من خلال ما تقدم ما يلي:

 

أولا: هناك حديث عن تربية الحيوانات وعن ثقافة تربية النباتات، وهو إسقاط يطال تربية الأطفال وهذا ما حاول كانط تجاوزه في كتابه رسالة في البيداغوجيا، حيث بين الاختلاف الشامل بين تربية كل من الحيوان من جهة الطبيعة والطفل والإنسان، بعامة، من جهة الطبيعة كذلك.

ثانيا: تفيد التربية التغذية la nourriture. فالغذاء هو ما يقدمه الشخص الراشد للقاصر أو للصبي، ويعني أن الصبي لا يمكنه أن يتغذى بمفرده، أي لا يمكنه الاعتماد على نفسه، إنه يتربى بغيره.

ثالثا: تفيد التربية كذلك إخراج الشيء من شيء إلى شيء، من حالة إلى أخرى، ومن وضع إلى آخر. وتعني كذلك قاد و وجه؛ قاد العبد الطفل نحو كذا وكذا، و وجهه وجهة كذا وكذا؛ فنقول قاد جماعة و عربة و وجه فردا.  وقد استعمل الكاتب اللاتيني فارون Varron معنيين يدلان على التربية؛ هما التغذية educare nutrix، والولادة (الانتقال من حالة إلى حالة أو المساعدة على الانتقال من حالة إلى حالة) educit obstetrix. ونخلص إلى أنه بدون تغذية سيموت الطفل لأن الطفل في حاجة إلى المساعدة والرعاية والاهتمام؛ وبذلك ستكون التربية هي الفعل الآتي من الغير، وأن حاجة الطفل إلى الغير حاجة طبيعية. فتبدو التربية بذلك استجابة لحاجيات الطفل الطبيعية.

رابعا: أخذت التربية، بمرور الزمن، معنى أخلاقيا فصارت تعني تكوين الأمزجة، وتربية الروح؛ بمعنى أن التربية انتقلت من تربية موجهة للجسد إلى تربية للروح أو النفس. وبتعبير آخر انتقلت التربية من الفيزيقي إلى الروحي، من الجسد إلى الروح و العقل والذهن.

 

خلاصات أولى:

 

ينبهنا فليب ميريو، ونحن نتعرض، لعلاقة المربي بالطفل من حيث تحيل المعاني والدلالات الاشتقاقية إلى بعض القضايا المهمة، منها ما يلي:

أولا: هناك خلط بين ما تحيل عليه التربية وبين ما يمكن أن يرتبط بتاريخ ظهور البيداغوجيا بمعناها الدقيق. وتأتى هذا الخلط من الممارسة التي يقوم بها المربي سواء أكان عبدا يقود الطفل أو غيره ممن يمارسون فعلا على الطفل من أجل تربيته. ولعل هذا الخلط بين الوظائف يجعل وظيفة المربي هي وظيفة البيداغوجي؛ أي الخلط بين التربية والبيداغوجيا.

ثانيا: إن المربي في الفكر اليوناني والروماني يقرر فيما ينبغي أن تكون عليه تربية الطفل؛ وبالتالي يقرر في تراتبية المعارف مثل ما نجد في جمهورية أفلاطون. هناك معارف أرقى وأخرى أدنى، هناك معارف للعقل و أخرى للحواس والجسد أو هناك معارف حسب الأنفس كما جاء في جمهورية أفلاطون. والمعارف في تراتبيتها تتناسب وتصورات فلسفية للمدينة والطبقات والأنفس والمعادن الطبيعية. وكأن المربي يقرر في ماهية الإنسان قبل ولوجه إلى التربية.

إن المشكلة الأولى الموروثة عن اليونان والرومان هي أن المربي حينما يضع تصورا مسبقا لتعلم المعارف والصنائع يقرر مسبقا أي إنسان يريده، وكيف سيتم ذلك، وبأي طريقة يتم الوصول إلى ذلك. وإن الأهم من كل هذا وذاك أن المربي حينما يقرر في تراتبية المعرفة فإنه يقرر في نوع المجتمع الذي تفضي إليه التربية. ولعل هذا الوعي العميق والأساس بوظيفة التربية وبما يترتب عنها كان أساس ظهور الإنسان كموضوع للتفكير التربوي العقلاني. وذلك ما يجسده فكر الأنوار بقوة كبيرة. فالحديث عن التربية هو حديث عن المربي وعن المجتمع وعن الغايات.

إن ربط التربية بالعقل وبالمجتمع يعني جعل التربية موضوع العقل بامتياز؛ وذلك ما يفسر صراع مفكري عصر الأنوار ضد الأنماط التربوية والتعليمية العتيقة أمثال جون جاك روسو وديكارت وغيرهما.

وعلى العموم فإن ما ميز فلاسفة الأنوار،حسب فليب ميريو، بعامة هو ما يلي:

 

1. الصراع ضد أنماط التربية العتيقة القائمة على الدرس السكولائي أو التعليم الكنسي أو التمييز بين أبناء الطبقات...إلخ. إنها إرادة توحيد التعليم وتعميمه بخضوعه للعقل وارتباطه بالإنسان كإنسان.

2. إن ما ميز فلاسفة الأنوار هو انخراطهم في القضايا والهموم اليومية لمجتمعاتهم؛ ومعنى ذلك أن أي تصور للتربية يحضر في الممارسات اليومية للمواطن. فنحن نعلم أن روسو أو ديدرو أو مونتسكيو وغيرهم، كانوا من المنخرطين في القضايا اليومية، وهو ما يجعل مفهومهم للتربية يستحضر ما ينبغي أن يكون عليه المواطن يوميا وفي المستقبل، وبالتالي ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع والدولة.

3. ما ميز هؤلاء الأنواريين، حسب فليب ميريو، هو الاعتراف بانفصال الطفولة عن الإنسان الراشد، بل الصراع من أجل الطفولة ولنا في إميل لجون جاك روسو خير مثال على ذلك.

إن تمييز المراحل العمرية في الطفولة ظل مثار نقاشات علمية كبرى كما يؤكد ذلك فليب أرييس. ومرد ذلك إلى الاستعمالات الاجتماعية للمراحل العمرية، بالإضافة إلى الاستعمالات المؤسساتية للأعمار، ومنها المؤسسة المدرسية التي تميز بين الأعمار والمستويات وتعمل على تنظيمها والفصل بين المراحل العمرية.

سيميز إميل دوركهايم في الطفولة بين بين طورين، طور أول يقضيه الطفل في الأسرة أو في روضة الأطفال التي تقوم مقام الأسرة. وهناك طور ثان يقضيه الطفل في المدرسة، أي أن الطفل في هذا الطور يبدأ في الخروج من دائرة الأسرة ويتلقى مبادئ الحياة الاجتماعية التي تحيط به. وتسمى هذه المرحلة مرحلة الطفولة الثانية. وهي المرحلة التي لها علاقة بالتربية الأخلاقية. ومع تخطي الطفل للمرحلة الثانية وبوصوله إلى السن المدرسية يتحتم تلقينه مبادئ الأخلاق؛ وذلك بتهذيب الشعور الخلقي وصبغه بصبغة عقلية، وإخضاعه شيئا فشيئا لمبادئ التفكير العقلي. والملاحظ أن هذه السن تكتسي، في نظر دوركهايم، أهمية كبرى مما يتوجب التركيز عليها أكثر من غيرها.

إن طرح قضية الطفولة للنقاش يعني كذلك إعادة التفكير في الطفولة وتشكل الفرد. فالحكم المسبق على الطفل من حيث أنه طفل عارف وصاحب تجربة وقدرة على التمييز يظل حكما خاطئا، هو إسقاط لاعتقاد الراشد على الطفل. فمجيء مجتمع الأفراد جعل الطفل مسؤولية الجميع أو أن الطفولة أصبحت مسؤولية اجتماعية وعلمية وفكرية وسياسية...إلخ.

نستخلص من هذه الفكرة التي ركز عليها غوشي كيف سيصبح الطفل ممثلا للمستقبل في جميع أبعاده، بل كيف سيصير الطفل الممثل الحي للمستقبل في قلب الحاضر. فالطفل الصورة الحية والساطعة لمستقبل مفتوح، والحامل للمستقبل المختلف عن الحاضر. ومن هنا كان تقدير الطفولة وكثافة الاستثمار فيها مما جعلها موضوعا اجتماعيا وفردانيا كما لو كان الطفل هو الضمانة الوحيدة للمستقبل.

إن هذه الرؤية المتطلعة إلى المستقبل تعيد النظر في الرؤى الشعبية للتحليل النفسي القائلة بأن الأمور تحسم في المراحل المتقدمة من العمر، أي السنوات الأولى للطفولة. فالمجتمع لن ينتظر اكتمال المراحل كما يراها التحليل النفسي، ولن يركن إليها لأن الاهتمام بالطفل يطرح تحديات أخرى، تحديات على المجتمع والراشد والأب والأم والعلم والفكر...إلخ. فكأن الطفل هو مدار كل شيء، بل مدار الخطابات في تعدديتها.     

4. كما تميز هؤلاء المفكرون الأنواريون بربط التربية بالغذاء الفكري للطفل؛ أي النظر إلى الطفل كشخص وجب تغذية عقله وروحه وجسده وخياله ...إلخ، لا الاكتفاء أو الاقتصار على نمط تعليمي واحد.

5. وأخيرا ما ميز هؤلاء هو الصراع من أجل الحرية الفكرية، وهو ما تترتب عنه نتائج كبيرة مثل التسامح والتعددية الفكرية والثقافية والسياسية والدينية...إلخ. وهو أساس ميلاد الإنسان والمواطن أو لنقل بلغة أخرى إن الحرية هي أساس الحداثة التربوية.

وحاصل القول أن جون جاك روسو سيكون أول من دشن الخطاب البيداغوجي بالمعنى الدقيق للكلمة لا الخطاب التربوي، وهو خطاب حداثي بامتياز؛ أي أن البيداغوجيا كخطاب في التربية ستكون منتوج فكر حداثي أنواري لأنها فكرت في الشروط والظروف التي يجب أخذها بعين الاعتبار ليحصل التعلم وعرضت عن التفكير بالأسباب حصرا كما كان الحال مع أفلاطون مثلا.

نعلم بأن فلاسفة الأنوار أمثال جون جاك روسو انطلقوا من فكرة التعاقد الاجتماعي، وهم بذلك يطرحون فكرة الطبيعة والمجتمع، الطبيعة والثقافة، حالة الطبيعة وحالة الاجتماع البشري. هل هي فكرة افتراضية أم فرضية عمل؟ هل حالة الطبيعة مرحلة تاريخية أم أن حالة الطبيعة تتقنع وراء حالة المجتمع؟ وكيف يمكن استنباطها في التربية أو استحضارها في تربية الأطفال؟

إن التعاقد عند روسو، حسب دوركهايم، يتجسد في مخطط مجتمع يناسب الإنسان بعامة لأنه مؤسس على طبيعة الإنسان ذاتها. وهو ما جعل مشكل التربية يطرح بلغة التعاقد الاجتماعي، حيث لا يتوجه إلى طفل مخصوص في مجتمع مخصوص، بل إن التربية هي قضية تهم كل طفل طفل في أي مجتمع حيثما وجد وفي كل زمان ومكان؛ ولذلك يقول روسو بأنه ينبغي تعميم رؤانا وأن نرى في تلميذنا الإنسان المجرد. وهكذا ستأخذ التربية معنى أوسع لتصير تربية الإنسان، الطفل الإنسان, وفق نظام طبيعي، حيث الناس يتساوون في الطبيعة أو ماهيتهم الطبيعية، ويخرجون من بين أيديها وهم ليسوا لا قضاة ولا جنود ولا قساوسة...إلخ. يخرجون منها بطبيعتهم الخيرة التي لم تعرف الشر والسوء بعد. وقياسا على هذه الرؤية العامة سيكون الطفل خيرا بطبعه وطبيعته، وكل شر يصيب طبيعته الخيرة يأتي من الإنسان. ذلك ما يؤكده جون جاك روسو حينما يقول في كتابه إميل بأن كل شيء خرج خيرا وجميلا من بين أيدي صاحب الأشياء كلها، غير أن الإنسان أفسد وقلب وشوه كل الأشياء.

إن المشكل البيداغوجي الذي طرحه دوركهايم في قراءته لروسو فيما يهم طبيعة الطفل الخيرة هو هل نترك الطفل للطبيعة: اتركه يفعل ما يريد. هل نترك الطفل يتصرف وفق الأخلاق المحايثة للطبيعة فيظل الراشد بعيدا عن الطفل؟ إن وظيفة المربي هي أن يضع الطفل في تناغم مع وسطه وفي احترام لطبيعته النقية والصافية. فالطبيعة من جانبها تريد الطفل أن يكون طفلا قبل أن يكون راشدا. فالطفولة من نظام الطبيعة، ومن نظام الطبيعة الإنسانية التي هي نظام الطبيعة. كما يجب على المربي أن يدرك بأن الفيزيقي هو الذي يظل على حاله وأما غيره فإنه يتبدل ويتغير؛ ولذلك كانت وستظل التربية حاسمة في هذا الجانب. ويخلص دوركهايم إلى أن روسو يتحدث عن تربيتين؛ واحدة طبيعية، نموذجية تتأسس في طبيعة الأشياء، وهي جزء منها. وهو نموذج غير اعتباطي لأنه يقبل بالملاحظة والمعرفة أو هو مادة لعلم ترتكز عليه البيداغوجيا. فما ستعلمنا إياه الطبيعة في كيفية التربية والتكوين هو وجود عدد من الحاجات الأساسية تتطلب نموا حرا، غير أن هذه الحرية تتطلب الإحساس بقوة أخلاقية ضرورية كما هو حال تربية الأحاسيس والشعور.

فالنموذج الطبيعي يقوم على التوازن والتكيف مع الوسط، توازن بين الحاجات والوسائل، بين القدرات والرغبات. وعلى الطفل أن يتعرف الحدود، الحدود التي لا يمكن تجاوزها. هناك فرق بين العالم الواقعي المحدود بحدود، كما يقول روسو، والعالم الخيالي الذي لا حدود له. فالحيوان يعيش في توازن ما مع الوسط غير أن الإنسان يختلف عنه لأنه في حاجة إلى التربية.

يطرح هذا الإشكال بالذات قضية الحرية. ماذا يمكننا أن نفعل؟ وماذا نستطيع فعله؟ وما معنى الإحساس بالمستحيل أو المستحيل بالذات؟ وما معنى حرية الإرادة؟ وما معنى الخضوع لقواعد ما؟ وهل يستطيع الطفل إدراك كل هذا؟

وثاني التربيات أن ما يركز عليه روسو في التربية هو العقل الذي يعلمنا معرفة الخير والشر والوعي يعلمنا الحب والكره. فقبل مرحلة العقل يقوم الطفل بالخير والشر دون معرفة بهما، ودون استرشاد بالأخلاق في تصرفاته. وذلك ما يتطلب أن يكون المربي، حسب روسو، مربيا للطفل وفق العقل.

إن التربية المبنية على العقل لا تقوم على الخضوع أكثر من الضرورة. والمثال الحي على ذلك، في نظر روسو، هو ألا نلصق بالطفل الجريمة كجريمة، بل ينبغي أن يفهمها كنتجية لأفعال معينة وبأخلاقية معينة. ومن هنا ينتفي مبدأ العقاب. فالفهم وغياب العقاب يضع المربي والمعلم وراء الأشياء لا الآمر المباشر للطفل، والطفل منفذا بدون بدون فهم للأشياء والأفعال والنتائج.

 

لا بد أن هذه البيداغوجيا الوليدة، مع جون جاك روسو أو دوركايهم أو كانط، فكرت في الإبداعية كإبداع أدوات وشروط وطرق اشتغال جديدة، بدل الاكتفاء بما ورث عن السابقين والركون إليه. فكانت أدوات هؤلاء الرواد، كما يرى ميريو، ليست مجرد تقنيات،  بل هي وسائل في خدمة غاية لها علاقة بمواقف المربي والبيداغوجي. وبدون المواقف والغايات ستظل الأدوات فارغة كالصدفات أو أدوات لتقويم الأفراد حصرا. إنها الرؤية الإجمالية والشمولية للتربية والبيداغوجيا؛ ولذلك انتظمت الأنساق البيداغوجية النظرية-العملية لهؤلاء المفكرين حول ثلاثة أقطاب هي:

 

أولا: الغايات

وهي الإحالة على مشروع عام للتربية، الإحالة على  صورة الإنسان المثالي، الإحالة على المجتمع المراد بلوغه.

ثانيا: الأسناد

وهي الأسناد الموضوعية مثل العلوم و الفنون مثلا.

ثالثا: الأدوات

وهي الطرق الواجب الاشتغال وفقها، غير أنها ليست وصفات جاهزة تدفع البيداغوجي للقيام بشيء رتب ترتيبا أو الاشتغال على المقاس.

 

سيلخص لنا فيلسوف كإمانويل كانط، أو لنقل سيعيد هذا الفيلسوف طرح مجمل القضايا والإشكالات المرتبطة بالتربية والبيداغوجيا التي أنتجها عصر الأنوار، وسيدفع بها إلى حدود عقلانية ممكنة. ومن أهم القضايا التي طرحها في رسالته في البيداغوجيا نجد من بينها أن للتربية وظائف، في نظر كانط، منها تأديب الناس[1] وتعليمهم وتثقيفهم، حيث يتضمن التثقيف التكوين والتعليم والتهذيب[2]، وهو مرتبط بالتعليم الذي يصقل المهارة وتملك الاستعداد وعدم الاكتفاء بالقراءة والكتابة، ويتضمن كذلك بعض الفنون رغم أهمية مهارة الكتابة والقراءة. والجانب الثالث في وظائف التربية عند كانط إيقاظ الفطنة أو التعقل أو الاحتراس لدى الإنسان لأنه يعيش في المجتمع ولأن الغاية هي التمدن، وحيث يتطلب الأمر طرقا للاحترام مرتبطة بالتعقل والتفكر والاحتراس والفطنة. والوظيفة الرابعة للتربية هي التخليق، وهي وظيفة مرتبطة باختيار الغايات الجيدة التي جربها الناس، وتكون في الآن نفسه غايات كل واحد منهم.

ترتبط بوظائف التربية المعارف التي يجب أن يربى عليها الفرد وهي الثقافة السكولائية والميكانيكية المرتبطة بالمهارة، وهي ديداكتيكية بالأساس تكون من مهام الأستاذ؛ ثم نجد الثقافة البراجماتية المتعلقة بالتعقل والتبصر والاحتراس والفطنة. وأخيرا الثقافة الأخلاقية المرتبطة بالأخلاقية[3].

للتربية عند كانط أولويات هي فن القيادة والتربية بالذات. كما لها أهداف حتى ولو كانت أمام الأحلام والمستحيلات والخيالات التي يجب تجاوزها والاشتغال عليها رغم العوائق التي تحد من تحقيقها. إنه المثال الذي لم تصادفه التجربة بعد مثل الجمهورية الفاضلة المحكومة بقواعد العدالة؛ فهي ليست فكرة خاطئة وليست مستحيلة تماما.

ولذلك فإن التربية من حيث هي فن القيادة وفن بذاتها لا تظهر ميكانيكيا من خلال ما نتعلمه في ظروف التجربة. فكل فن من هذا النوع يكون ميكانيكيا خالصا يحتوي على أخطاء كثيرة ونقصان لأنه لا يتبع أي مخطط.

لا يمكن، إذن، تصور التربية من غير تخطيط، وهو ما دفع كانط، نظرا لرفضه للنزعة الميكانيكية، إلى القول بوجوب أن يكون فن التربية أو أن تكون البيداغوجيا مفكرا فيها[4] حتى تستطيع الطبيعة الإنسانية أن تتطور بشكل يجعلها تقوم بقدرها.

 يمكن أن يكون الآباء قدوة لأنهم تلقوا تربية سابقة تقاس عليها تربية الأطفال غير أنه ليصير هؤلاء الأطفال الأفضل وجب  أن تكون البيداغوجيا دراسة أو أنه يجب في فن التربية، حسب تعبير كانط، استبدال الميكانيكية بالعلم.

يجب ألا نروض الأطفال، كما يقول كانط، بل وجب تعليمهم التفكير، أي المبادئ التي تشتق منها الأفعال والأنشطة والحركات، أو بلغة أخرى، وجوب تثقيف الذاكرة والذكاء والجمع في تربية الطفل بين المعرفة والإرادة، وكذلك الجمع بين العلم والحديث مثل يسر التعبير وفن القول والبيان، وتمييز الطفل للعلم عن الرأي الشائع وعن المعتقد لتكوين وتثقيف ذهن عادل وذوق عادل ذي معنى، ورغبات عادلة وأفكار عادلة. وكل ذلك يرتبط بضرورة وجود قواعد لكل ما يثقف الفهم.

يبدو أن فن التربية الذي يريد أن يكون مفكرا فيه أو دراسة أو علما، حسب كانط، يتوجه نحو المستقبل وفق تخطيط مفكر فيه كذلك يجعل مبدأ البيداغوجيا ظاهرا أمام العيان، بل أمام الرجال الذين يضعون مخططات التربية؛ وذلك ما يعني أننا لا نربي الأطفال وفق الحالة الراهنة للنوع البشري وإنما حسب الأحسن والممكن في المستقبل؛ أي حسب فكرة الإنسانية ومصيرها. ولعل هذا الأمر لا يجعلنا نكتفي بتربية الأطفال وفق منظور الآباء المنطلقين من الوضع الحالي فقط، بل وجب تربية الأطفال تربية أحسن لتخرج حالة الأحسن في المستقبل، مما يجعل وجوب بناء أسس التربية على المواطنة الكونية. وعليه فإن قيادة المدارس لا ينبغي أن تنطلق من الأحكام وإنما ينبغي أن تعهد للعارفين الأكثر تنويرا.

إن تربية تستهدف المستقبل وهي فن بذاتها وتستحضر المستحيل والخيال وترفض الميكانيكية والاستنساخ والترويض لا بد وأنها ستنطلق من احترام الطفولة بمراحلها العمرية لا أن يتحدث الطفل، كما يرى كانط،  كالشيوخ. فعلى الطفل أن يتمتع بفطنة الطفل وبذكاء الطفل لا أن يكون مقلدا أعمى أو يبدو كالكبار.

إنه لمن المرفوض في التربية ألا يكون الطفل خاضعا خضوعا سلبيا مطلقا ومقلدا تقليدا أعمى، والقيام بما يطلب منه دون معرفته باللماذا والانقياد اللامشروط لرغبة المربي.

إن مشكل الخضوع للغير في التربية يطرح إشكالات تربوية عميقة منذ جون جاك روسو؛ وهو ما أعاد فيه كانط النظر. هل نترك الطفل للمصادفات، للطبيعة أم ينبغي أن نتدخل في تربيته؟ كيف سنضمن بأن تدخلنا في تربيته لا يجعله نسخة منا؟ وأين حدود تدخلنا ليكون حرا...؟.

إنها أسئلة كثيرة ومشروعة في نظر كانط موضوعها التوفيق بين شرعية الخضوع وقدرة الطفل على تحرره. إنه إكراه ضروري، ولكن كيف نثقف الحرية بالإكراه؟ يجب في نظر كانط تعويد التلميذ على معاناة حريته، وأن يدرك بأنها خاضعة لإكراه ما، وأن يتعلم كيف يستعملها الاستعمال الأمثل والجيد. وبدون ذلك سيسقط في ميكانيكية خالصة.

وبعد ذلك سرد كانط مجموعة من القواعد منها:

 

أولا: أن نترك الطفل حرا منذ ولادته وفي كل الأوقات.

ثانيا: أن بين للطفل بأنه لا يستطيع الوصول إلى غاياته إلا بشرط أن يترك الآخرين يبلغون غاياتهم.

ثالثا: أن نبين له بأن الإكراه الذي نفرضه عليه له غاية تعلمه كيف يستعمل حريته الخاصة، وأننا نثقفه حتى يكون حرا في يوم ما.

إن تربية تتوجه للمستقبل لا بد وأن تنطلق من اجتماعية الطفل كما يرى كانط؛ لذلك على الطفل أن يقيم علاقات صداقة مع الآخرين وألا يعيش منعزلا. كما يجب أن يستمتع بالحياة.

إن مشكل تربية عامة لا يحيد عن طرح مشكل التربية العمومية والخاصة للنقاش. وبالفعل فإن كانط  طرح هذا المشكل في رسالته في البيداغوجيا، موضحا بأن التربية العمومية يجب أن تكون كاملة تجمع شيئين هما التعليم والتكوين من جهة، والتربية الأخلاقية من جهة ثانية، وهي على عكس التربية الخاصة التي تستهدف تربية جيدة خاصة.

فالمدرسة التي تمارس فيها التربية العمومية تسمى مؤسسة للتربية تستقبل التلاميذ كباقي المؤسسات العمومية مثل المستشفيات. وإن الهدف من وجود هذه المؤسسات التربوية هو اتقان التربية المنزلية؛ ولذلك فإن الإنفاق عليها يكون ضروريا لأنها تحتضن المحاولات وتكوين الذوات ومنها تخرج التربية المنزلية الجيدة.

أما التربية الخاصة فإنها إما يقوم بها الآباء بأنفسهم أو تعهد للغير بالصدفة غير أنها تتسم بسلبيات منها تقاسم السلط بين الآباء والمساعدين وخضوع الطفل لمبادئ المعلم الخاص ورغبات الآباء، بل وقد يحصل أن يترك الآباء هذا الدور للمعلم.

تتوافق أفكار كانط وإميل دوركهايم في العديد من النقط ومنها مسألة التربية العامة والخاصة. فدوركهايم يرى أن المدارس العامة بحكم وضعها هي الأداة المنظمة للتربية الوطنية، وهي على عكس ما يشاع كثيرا من أن الأسرة هي التي يجب أن تضطلع وحدها بعبء التربية الأخلاقية. فما تقوم به المدرسة من التكوين الخلقي للطفل يمكن بل يجب أن يكون على غاية كبيرة من الأهمية. فإن جزء كبيرا من الثقافة الأخلاقية، بل أهم جزء فيها لا يمكن تلقينه في أي مكان آخر. فالأسرة محدودة الوظائف وتكوينها بسيط مما لا يؤهلها لتقوم بوظيفة التربية الأخلاقية على عكس المدرسة التي تحقق الثقافة الأخلاقية، وهي ثقافة تستند برمتها على مبادئ العقل؛ ومعنى ذلك، في نظر دوركهايم، أنها تبعد عن نطاقها كل المبادئ المستمدة من الأديان المنزلة[5]؛ وذلك كي يتحدد بوضوح الوضع الذي تكون عليه التربية الأخلاقية في هذا العصر من التاريخ الذي نعيش فيه[6].

فأخلاق العقل التي هي من وظيفة المدرسة لا تستمد إلا من العقل مما يجعل تقدم المذهب العقلي يصحبه تقدم في الشعور بقيمة الفرد ويترتب عليه شعور خلقي مرهف يظهر ظلم العلاقات الاجتماعية وتوزيع الحقوق والوجبات وكل ما يزعج الضمير.

والملاحظ أن عناصر الحياة الخلقية لا تنحصر في سرد قائمة كاملة لجميع الفضائل أو لأهمها. إن المسألة تهم الاستعدادات الأساسية والحالات الذهنية التي تقوم عليها الحياة الأخلاقية. فتكوين الطفل لا يعني أن تغرس فيه إحدى الفضائل الخاصة ثم تتبعها ثانية فثالثة، وإنما يتعلق الأمر بتنمبة الاستعدادات العامة لديه، بل وخلقها خلقا. وبمجرد أن توجد هذه الاستعدادات لا تلبث أن تنشعب من تلقاء نفسها حسب ما تقتضيه تفاصيل الحياة الإنسانية[7].

إن الأخلاق التي يتحدث عنها دوركهايم هي ظاهرة أو صفة تشترك فيها كل الأفعال التي نصفها عادة بالخلقية، وهي تخضع جميعها لقواعد. فلكي تكون تصرفاتنا خلقية يجب أن تسير حسب مقاييس موضوعة تحدد السلوك الواجب اتباعه. إنه الواجب، أي أن عالم الأخلاق هو عالم الواجب. والواجب هو القيام بعمل مفروض علينا.

فالإشكال المثار هنا هل الواجب المفروض بقاعدة لا يعني التطبيق الحرفي يتعين على كل منا إن أراد ان يتسم عمله بالخلق أن يطبق هذه القاعدة العامة أو تلك على حالته الخاصة. هناك نطاق متروك للتدبير الخاص في نظر دوركهايم إلا أنه محدود. كما أن هناك حالات تكون فيها أفعالنا صادرة عن أحكامنا الخاصة. ويستنتج دوركهايم أن الأخلاق عبارة عن مجموعة من القواعد العملية التي تحدد سلوكنا وتعين لنا كيف يجب أن نفعل في الحالات المختلفة التي تعرض لنا[8].

وخلاصة الأمر إن أهم ما يركز عليه كانط ودوركهايم أيضا في تناولهما للتربية العمومية هو المواطنة. ولعل هذه الخاصية لا تتضح إلا من خلال تربية تتوجه نجو المستقبل وبكل ما مر ذكره آنفا.

 

خلاصة:

إن التربية في نظر كانط يجب أن تكون مفكرا فيها ومخططا لها، وهي بذلك تصير فنا أو دراسة مما يجعلها تتحول إلى بيداغوجيا أو إلى ديداكتيك. إنها فن لا يكون ميكانيكيا، فن مفكر فيه ومدروس. ولهذا فإن فن التربية أو البيداغوجيا أو علم التربية سيهتم بالفيزيقي والعملي؛ حيث الفيزيقي هو ما يتقاسمه الإنسان مع الحيوانات مثل العناية. وأما التربية العملية [الممارسة هي كل ما له صلة بالحرية] أو الأخلاقية فهي التي تجعل الإنسان في حاجة إلى الثقافة ليعيش أو ليكون حرا. 

تركيبات:

 

ما يلاحظ ونحن نحاول تعريف البيداغوجيا هو أننا سنجدها، باستنادنا إلى فليب ميريو، ليست خطابا في الحقيقة كالفلسفة والعلوم أو غيرها من الخطابات التقريرية والتفسيرية والوصفية مثلا؛ ولذلك فإن ماهيتها تطرح مشاكل فكرية حقيقية. وقد خلص الباحث الكبير فليب ميريو إلى أنها من الآداب كالفن والشعر والقصة والرواية ...إلخ،  فهي خطابة وتعبير وخطاب أدبي...،  تحملنا إلى الوضع الذي نفهم فيه القضية التربوية مثل تناقضاتنا مع الأطفال والتلاميذ حتى نعيد ونعيد، بلا كلل، ترتيب العلاقات معهم بلا نهاية،  نعيد ونعيد ترتيب العلاقات الممكنة بين النظريات والممارسات.

 وبهذا يجد الخطاب البيداغوجي قوته في هشاشته لأنه يفتقد إلى أرضيته الصلبة ويحتاج إلى رهانات كثيرة تستحضر الطفولة ورهانات البيداغوجي ورهانات المجتمع برمته.

تتمثل هشاشة الخطاب البيداغوجي المفتقد للأرضية الصلبة أو الأساس فيما يلي:

أولا: الهشاشة الإبسيتمولوجية ونعني بها أن البيداغوجي يجد نفسه ينهل من كل شيء يتاح له مما يجعل عمله يتسم بالتلفيق والبريكولاج. ثم إنه يفكر بأبعاد فكرية وعلمية تختص بها العلوم؛ فهو يجد نفسه مرغما على التفكير بالسوسيولوجيا وعلم النفس وكل ما يرتبط بالعلوم والمعارف التي تهتم بالتعلم والذكاء والمؤسسة التربوية والتعلمية...إلخ. ولعل هذا الوضع المركب للبيداغوجيا وللبيداغوجي يجعله قلقا وبينيا وهنا تتمثل قوته وأسباب ضعفه.

ثانيا: إن الوضع الإ بيستيمولوجي الهش للخطاب البيداغوجي لا يجعلها في وضع معرفي يحكم عليها بالنهاية مثل ما يراه مشيل فوكو بشأن العلوم الإنسانية لأن بينية الخطاب البيداغوجي تأتي من قوته في تفسير لماذا نربي ونعلم وكيف يجب أن يحدث ذلك.

ثالثا: إن الخطاب البيداغوجي لا يعترف بالفشل لأنه ببساطة لا ينطلق من الجاهز.

رابعا: إن الخطاب البيداغوجي ممزق بين الرغبة في إعطاء الحرية وتعليمها للغير، وبين التحكم في كل شيء؛ وذلك يجعله منفنحا على الاحتمالات والمحاولات.

خامسا: تعلمنا البيداغوجيا كيف نقول للديداكتكين والتقنيين كفى لأن الأدوات ماهي إلا أدوات ويجب أن تخدم الغايات الكبرى.

سادسا: تقول لنا البيداغوجيا بأن لا شيء يحدث في التربية من دون قيم وشجاعة في التدريس.

سابعا: تنتشلنا البيداغوجيا من السقوط البيداغوجي في السذاجة إذا لم يعمل النقد أو السقوط في الظلام و التعصب؛ ولذلك وجب قراءة البيداغوجيين.



[1]   يرى كانط أن التأدب يمنع الإنسان من التخلف عن مصيره وإنسانيته، ولا يصير الإنسان إنسانا إلا بالتربية وكلما نقص أدبه وتعليمه يسقط في الحيوانية أو الوحشية التي هي الاستقلالية عن كل القوانين.

[2]  يرى كانط أن الإنسان في حاجة إلى الثقافة بما فيها التأدب والتعليم على عكس الحيوان. وكلما نقص الأدب والتعلم عند الإنسان يصير معلما سيئا للتلاميذ.

[3]  يطرح مشكل التربية الأخلاقية مشاكل نظرية كبرى وقد لا نعثر في مؤلف إيمانويل كانط حول البيداغوجيا ما يشفي غليل السؤال؛ لذلك سنورد توضيحات فكرية فهمة لإميل دوركهايم واردة في كتابه حول التربية الأخلاقية.

يرى دوركايهم ان الاهتمام بالتربية الأخلاقية تمليها الظروف المطروحة ولأنها من بين الأسباب أزمة النظام التعليمي التقليدي للتربية؛ فهي تهزه هزا قد يبلغ أحيانا إلى درجة كبيرة من العنف والخطورة. لا يعمل دوركهايم على البحث في كيف تكون التربية الخلقية بالنسبة للإنسان عامة، بل بالنسبة للرجل الذي يعيش في وقتنا هذا وفي بلدنا هذا. ومادامت المدارس هي التي تضطلع بذلك فإن الاهتمام سينصب على فهم التربية الخلقية وكيفية تدريسها.

إن إمكانية وجود تربية خلقية خاضعة للعقل مسلمة لا غبار عليها وهي أساس العلم، وهو المبدأ العقلي القائل بعدم وجود شيء في عالم الحقيقة يستعصي على العقل.

فالتربية الأخلاقية مسألة عقلية بذاتها، وهي تربية أخلاقية قائمة على دعائم عقلية ليست ممكنة من الناحية المنطقية فحسب وإنما ممكنة بالنظر للتطور التاريخي للشعوب والأفراد. ويتلخص هذا التطور على مستوى التربية في جعل التعليم مدنيا أي خاضعا للعقل.

إن تحرير التربية الخلقية هو التعلق بالمذهب العقلي الذي هو مظهر من مظاهر الفردية، بل هو مظهرها الفكري. فالحاجة إلى تحرير الفكر الفردي تعني الحاجة إلى تحرير الفرد. وكل تقدم في الاتجاه يفتح آفاقا جديدة؛ وذلك لأن انتصار مذهب الفردية معناه الارتقاء بشعورنا تجاه الكرامة الإنسانية وفهمنا لها فهما دقيقا. كما أن الإيمان بالعقل يقوي الشعور الفردي ويدفعه دائما إلى الأمام.

وبناء على كل ذلك يستخلص دوركهايم أن التربية الأخلاقية لا تحقق رسالتها إذا اكنفينا بتلقين الأطفال مجموعة من الأفكار الشائعة التي تعيش عليها الإنسانية منذ قرون. فقد نضمن بذلك حياة أخلاقية متوسطة للأفراد. ولكن هذا لا يعدو ان يكون الحد الأدنى للحياة الأخلاقية ولا تستطيع أمة أن تكتفي بذلك. وعلى المجتمع أن يضع مثالا أعلى يتوق إليه وأن يضع خيرا يعمل على تحقيقه ويشترك بنصيب وافر فعال في زيادة تراث الإنسانية الخلقي. وعليه فإن المشكلة التربوية تتطلب علاجا حاسما وسريعا لأننا لا نستطيع أن نعيش على النظام الأخلاقي التقليدي الذي صمد بفعل العادة. والاستعاضة عن مصدر الوحي القديم والكشف عن أنقاض النظام البائد عن القوى الأخلاقية التي كانت تختبئ في أشكال تحجب عن انظارنا طبيعتها الحقيقية حتى يتسنى لنا أن نراها على حقيقتها وأن نعرف مقدار ملاءمتها لظروفنا الحاضرة إذ أنها لا يجب أن تظل جامدة بدون تطور. ويجب أن ندخل في حسابنا التغيرات التي يستدعيها وجود تربية أخلاقية خاضعة لنظام العقل وهذا لا يثبط العزائم؛ ولا يكون ذلك إلا بمجابهة الصعوبات وجها لوجه. وكلما أخفينا الصعوبات عن أنفسنا تصير أشد خطرا علينا.

عن إميل دوركايم، التربية الأخلاقية، ترجمة الدكتور السيد محمد بدوي و المراجعة للدكتور علي عبد الواحد وافي، مكتبة مصر، ص ص من 4 إلى 16

   

[4] - voir aussi, Voir Dictionnaire de la pédagogie, Bordas, Paris 2000. p 216

 

[5]   يتعرض كانط لمشكل التربية الدينية وتدريسها أو تلقينها في المدارس العمومية في رسالته في البيداغوجيا. فيرى أنه من الواجب البحث في علاقة تربية الأطفال بالدين. وهل من الممكن أن نطبعهم بأفكار دينية. ولا حظ أن هذه النقطة بالذات تشكل مدارات نقاش بيداغوجي يصل إلى حد الصراع. يرى كانط أن الأفكار الدينية تفترض بعض التيولوجيا، ولكن كيف ندرس التيولوجيا للشباب والصغار عموما، وهم لا زالوا بعيدا عن المعرفة بالعالم ويجهلون أنفسهم؟  كيف سيتمكن الصغار من فهم ما معنى الواجب سيفهمون واجبا مباشرة نحو الله؟ فالطفل بكل تأكيد لا يفهم أي فعل مرتبط بالكائن الأعلى ولم يسبق له أن سمع به ولا نطق بكلمة الله. إنه لمن نظام الأشياء أن نثير انتباه الأطفال إلى الأسباب النهائية وما يناسب الإنسان ليمارس حكمه وتكوينه على النظام وجمال غايات الطبيعة معرفته بنظام العالم للوصول إلى فكرة الخالق العلي المشرع. وبما أن الطفل لم ينطق بعد بكلمة الله ولا يعرف معناها فكيف ستعلم الخوف من الإرادة الإلهية؟ والحال أن فكرة الله تظل موضوع خيال بالنسبة للطفل. مع العلم أن المسألة ليست ليست قضية ذاكرة أو تقليد. فالطفل يفهم قانون الواجب من خلال ما يتجلى في قانون الطبيعة مثل التوازن والحفاظ عليه.

فالطريقة التي تجعل فكرة الله واضحة بالنسبة للطفل هي القيام بالقياس كما هو حال رب أسرة مع الأسرة وصولا إلى وحدة الأسر ووحدة رب الأسرة.

ولكن ماهو الدين بالنسبة للطفل؟ إن الدين مسالة فينا تصدر عن مشرع وحاكم، إنها الأخلاق المطبقة لمعرفة الله. فحينما لا نجمع بين الدين والأخلاقية لن يكون للإنسان قوى جديدة وشجاعة جديدة للعمل على تطوير نفسه؛ وليس ذلك سوى التعبير عن قلب تنشطه فكرة الواجب.

ينبغي البدء مع الأطفال بالقانون الذي يحملونه هم بأنفسهم مثل كرههم للشر. إنه القانون الإلهي الذي يبدو قانونا طبيعيا مما يجعل الدين يدخل في مجال الأخلاقية.

لا ينبغي البدء مع الأطفال بالتيولوجيا، بالدين المؤسس على التيولوجيا أو الدين كتيولوجيا لأن ذلك لا يحتوي على الأخلاق. فالأخلاقية وجب أن تتقدم التيولوجيا وهذا ما يسميه كانط الدين.

يتوفر كل إنسان على الوعي. والوعي هو تطبيق أفعالنا وفق القانون. وحينما لا يقترن الدين بالوعي الأخلاقي لن يكون له أي تأثير يذكر. و وجب التذكير حسب كانط بأن الأطفال لن يفهموا جميع الأفكار الدينية رغم  أننا يمكن طبعهم ببعضها ولن يتم ذلك باستظهار صيغ ما أو عبارات ما أو أذكار ما. فأحسن شيء لتشريف الله هو التصرف وفق إرادته؛ وذلك ما ينبغي تدريسه أو تعليمه للأطفال؛ وذلك عن طريق اكتشاف الخير في كل ما يجسد الخير.

[6]  إميل دوركايم، التربية الأخلاقية، ترجمة الدكتور السيد محمد بدوي و المراجعة للدكتور علي عبد الواحد وافي، مكتبة مصر، ص ص من 19 إلى 20

[7]  إميل دوركايم، التربية الأخلاقية، ترجمة الدكتور السيد محمد بدوي و المراجعة للدكتور علي عبد الواحد وافي، مكتبة مصر، ص ص من 21 إلى 22

[8]   عن إميل دوركايم، التربية الأخلاقية، ترجمة الدكتور السيد محمد بدوي و المراجعة للدكتور علي عبد الواحد وافي، مكتبة مصر، ص ص من 24 إلى 25